الشيخ الطبرسي

875

تفسير جوامع الجامع

و ( أَحَدٌ ) أَصْلُهُ : وَحَدٌ ، وَقُرئَ : " أَحَد اللهُ " ، بغَيْرِ تَنْوين ( 1 ) أُسْقِطَ لمُلاقَاتِهِ لاَمَ التَّعريفِ ، ونَحْوُهُ : ولاَ ذَاكِرَ اللهَ إلاَّ قَليلاً ( 2 ) والأحْسَنُ التَّنوينُ ، وكسرُهُ لالتقَاءِ السَّاكنَيْنِ . و ( الصَّمَدُ ) فَعَلٌ ، بمعنَى مفْعُول ، مِن : صَمَدَ إليهِ في الحَوائِجِ أي : قَصَدَ ، والمعنى : هو الله الذي تَعرفُونَهُ وتُقِرُّونَ أنَّه خَالِقُ السَّماواتِ والأَرضِ وخَالِقُكُم ، وهو وَاحِدٌ مُتَوحِّدٌ بالإِلهيَّةِ لا يُشَارِكُهُ فيها غَيْرُهُ ، وهو الذي يُصْمَدُ إليهِ في الحَوائجِ ، لا يَستَغْني عَنْهُ أَحَدٌ من المَخْلُوقينَ ، وهو الغنيُّ عن جَميعِهِم . ( لَمْ يَلِدْ ) لأنَّهُ لا يُجَانَسُ حتَّى يكُونَ لَهُ من جِنْسِهِ صَاحِبَةٌ فَيَتَوالَدَا ، وقَد دَلَّ على هذا المعنى بقَولِهِ : ( أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ ) ( 3 ) . ( وَلَمْ يُولَدْ ) لأنَّ كُلَّ مولُود مُحْدَثٌ وجِسْمٌ ، وهو قَديمٌ لا أَوَّلَ لوجُودِهِ وليسَ بجِسْم . ( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً ) أي : شِكْلاً وَمِثْلاً ( أَحْدٌ ) أي : لَمْ يُكَافِئْهُ أَحَدٌ ولَمْ يُمَاثِلْهُ ، ويجُوزُ أن يكُونَ من الكَفَاءَةِ في النِّكاحِ نَفْياً للصَّاحِبَة . سألُوهُ أن يَصِفَ لَهُم رَبَّهُ ، فَنَزَلَتْ السُّورةُ محْتَوِيَةً على صِفَاتِهِ عزَّ اسمُهُ ، لأنَّ قَولَهُ : ( هُوَ اللهُ ) إشَارةٌ لَهُم إلى مَنْ هو خَالِقُ الأَشياءِ ومُنْشِئُها ، وفي ضِمْنِ ذلكَ وَصَفَهُ بأنَّهُ قَادِرٌ عَالِمٌ ، لأنَّ الخَلْقَ والإِنْشَاءَ لا يكُونُ إلاَّ من عَالِم قَادِر لوقُوعِهِ على غَايةِ الإِحْكامِ والاتِّساقِ والانتظَامِ ، وفي ذلكَ وَصَفَهُ بأنَّهُ حيٌّ موجُودٌ سَميعٌ بَصيرٌ ، وقَولُهُ : ( أَحَدٌ ) وَصْفٌ لَهُ بالوحدَانيَّةِ ونَفْي الشُّرَكَاءِ عَنْهُ ، و ( الصَّمَدُ ) وَصْفٌ لَهُ

--> ( 1 ) وهي قراءة أبي عمرو وحده . راجع كتاب السبعة في القراءات : ص 701 . ( 2 ) وصدره : فألفيته غَيرَ مستعتب . لأبي الأسود الدؤلي من أبيات يعاتب فيها امرأته ، وكنّى بضمير المذكّر عنها استحياءً . راجع خزانة الأدب للبغدادي : ج 11 ص 374 وما بعده . ( 3 ) الأنعام : 101 .